ألا تلاحظون أن عالمنا العربي يشهد تحولات وإنجازات كبرى ؟
إذا عدنا للوراء قليلا سنشاهد أن الطرح التالي هو ما كان سائدا إبان فترة الضعف الكلي والجمود التام في العالم العربي
منذ أن وعينا على الدنيا لم نشاهد أي انتصار عسكري أو إنجاز تنموي أو مجد حضاري على مستوى العالم العربي، بل كل ما كنا نعرفه عن عالمنا العربي أنه متخلف على كافة الأصعدة، تنهشه الحروب والصراعات من جانب والجرائم والفساد والاستبداد من جانب آخر، كل ما عرفناه منذ صغرنا عن أمتنا العربية أنها مهزومة وضعيفة ومتفرقة، وتصف حالتنا تلك المقولة الشهيرة " اتفق العرب على ألا يتفقوا "
كل ما عرفته عن عالمنا العربي أن طعامه ليس من مزرعته وملابسه ليست من خياطته وبضائعه ليست من صناعته وأسلحته ليست من إنتاجه
عرفت عالمنا العربي كوطن جاهل مستهلك لا يخترع ولا يبتكر ولا يزرع ولا يصنع ولا ينتج بل فقط يستهلك
عرفت عالمنا العربي متفرقا لا يسعى للوحدة والتحالف بل يزداد تفرقا
عرفت عالمنا العربي ضعيفا مهزوما، لا يتجرأ على رفع السلاح بوجه من يعتدي عليه صغر أو كبر، بل كل ما يجيده الشجب والاستنكار، حتى أصبحت أراضينا مستباحة لكل من هب ودب، ونحن لا حول لنا ولا قوة
عرفت عالمنا العربي وقد اكتسى بالفقر والمرض والجهل
مع كل هذا الضعف والتفرق والتخلف كان طبيعياً أن يكون الطرح الأدبي والفكري للنخب العربية نابعاً من هذا الواقع المأساوي
فكنت أتابع في القصائد والقصص والإنتاج الفني والأدبي عموما ... صوتاً متألماً يبكي على حال الأمة ... ولا يملك سوى استذكار الأمجاد الغابرة في تاريخنا المجيد والدعوة لصحوة ونهضة عربية شاملة تعيد لم الشمل وترتقي بالبناء الحضاري وتحقق الانتصارات المجيدة وتحمي الأرض والعرض والمال
ووجدنا الكثير من الأطروحات والمشاريع التي تقدم وصفة لعلاج مشكلات عالمنا العربي
كان المفكرون يركزون على نقاط محددة يرونها تشكل الأسباب الرئيسية لتخلف عالمنا العربي وأزماته الخانقة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية، ومن أهم هذه الأسباب:
- ضعف الوازع الديني: حيث أن التمسك بالدين من حيث سلامة العقيدة والاجتهاد في الطاعة وترك المعاصي على مستوى الأفراد والمجتمعات تؤدي إلى حفظ الله وتوفيقه وتأييده ونصره وتمكينه للأمة
- التخلف السياسي: الاستبداد والطغيان والفساد المنتشر لدى الكثير من النخب الحاكمة في العالم العربي
- ضعف الدور العسكري: لم نخض فيما سبق حرباً واحدة رغم كثرة الأعداء والاعتداءات ( باستثناء حرب أكتوبر وحرب الخليج وبعض المعارك الجانبية )
- كثرة المشاكل الأمنية: انتشار الجرائم بكثرة في العديد من الدول العربية
- سوء الأحوال المعيشية: يعاني الكثير من أبناء العالم العربي من الفقر المدقع والأمراض والأحوال السكنية والمعيشية المتردية
- انتشار الأفكار المنحرفة والمتطرفة: تنتشر بعض الأفكار ذات التطرف والغلوم، كما تنتشر أفكار أخرى مصادمة للدين
- ضعف الاقتصاد: يعتمد الاقتصاد العربي على موارد غير متجددة أبرزها النفط والغاز، ولا توجد قطاعات صناعية وقاعدة إنتاجية قوية
- ضعف مخرجات التعليم: خريجو المدارس والجامعات لا يمتلكون المعارف والمهارات التي تحدث النقلة المطلوبة في سوق العمل والاقتصاد الوطني
- ضعف مؤشرات التنمية: انحدار كبير في معدلات القراءة والمعرفة وبراءات الاختراع والبحوث العلمية
بشكل عام وجدنا أن المشكلة في العالم العربي تتمثل في ضعف المواقف السياسية والعسكرية، ضعف اقتصاد المعرفة والابتكار والإنتاج، انتشار الجهل والفقر والمرض، انتشار الصراعات، دول استهلاكية غير إنتاجية
وقد قدم المفكرون الاستراتيجيون والمحللون في العالم العربي عدة حلول لمشكلة العالم العربي من أبرزها:
- تكوين تحالفات سياسية وعسكرية واتخاذ مواقف ميدانية قوية ضد من يعتدي علينا
- مواجهة الفكر المتطرف وتعزيز قيم التسامح والتعايش والسلام والوسطية
- تعزيز المشاركة الشعبية في الحكم
- تطوير التعليم والتركيز على التخصصات العلمية المنتجة
- دعم الابتكار والإبداع والاختراع والبحث العلمي
- إعداد القادة وتشجيع المبدعين ودعم ريادة الأعمال ومشاريع الشباب
- توسيع القاعدة الإنتاجية وإطلاق مشاريع صناعية عربية كبرى
- تعزيز التنافسية الحضارية على المستوى العالمي
- الارتقاء بالمستوى المعيشي عبر محاربة الفقر والمرض والجهل من خلال الجهود الإنسانية والخيرية وتمكين الشباب والأسر وإجراء الأبحاث العلمية
- تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد معرفي مستدام
كانت هذه ملامح المشكلة وأسبابها وحلولها في العالم العربي
ولكن ما أود ذكره الآن هو أن الطرح الفكري من المحللين والكتاب العرب يجب أن يواكب ما حصل من تطورات وتحولات وإنجازات عربية في الآونة الأخيرة
فقد حدثت تحولات إيجابية كبيرة في عالمنا العربي علينا مواكبتها
لم تعد الدول العربية كالسابق ضعيفة ومتفرقة
ولم تعد كما كانت مهزومة ومتخلفة
لقد أصبحت لنا تحالفات ومواقف سياسية وعسكرية قوية
لقد أطلقنا مشروعات اقتصادية وتنموية كبرى
ألا يجعلنا هذا أن نتفاءل بمستقبل مشرق لأجيالنا العربية القادمة؟
ألا يدعونا هذا للقول بأن أمتنا العربية بدأت في السير على الطريق
الصحيح؟
أعتقد أننا استعدنا شيئاً من مجدنا وهيبتنا وحكمتنا
لطالما حاصرتنا الأزمات في السابق ووقفنا تجاهها موقف المتفرج
أما الآن فقد تبدل الحال وأصبحت لنا كلمة وقبل الكلمة لنا فعل
ألا يتطلب هذا التغير الإيجابي في عالمنا العربي أن نغير نظرتنا تجاهه؟
نعم، بكل تأكيد، هذا التغير الإيجابي في عالمنا العربي يجب أن يؤدي إلى
تغير نظرتنا تجاهه ويجب أن يؤدي إلى تغير لغة الخطاب الإعلامي والفكري
لطالما كنا نشتكي من ضعف " المواقف العربية " تجاه أزماتها
والحروب والاعتداءات التي تمارس على أراضيها
ولطالما اشتكينا أيضاً من ضعف " البناء والتنمية " في العالم
العربي بجوانبه المختلفة من بناء اقتصادي متكامل ومتنوع وتنمية بشرية ومعرفية
وتكنولوجية
واليوم نشاهد " مواقف " قوية ونشاهد أيضاً " بناءً
اقتصادياً ومعرفياً وحضارياً " قويا
ليس من المعقول أن نستمر في إطلاق ذات الأوصاف السلبية حول عالمنا
العربي رغم كل هذه التغيرات الإيجابية في واقعنا العربي
يجب أن ننتقل من النقد البناء إلى المشاركة في البناء بتقديم الأفكار
ودعم الحلول
لقد تغير عالمنا العربي وأصبح أكثر وعياً بمشكلاته، بل إنه بدأ بخطوات قوية في التطوير الشامل، وبدأ يشكل تحالفات ويقود معارك مهمة لحفظ أمنه واستقراره وكرامته، وأصبحنا نهتم باقتصاد المعرفة، ونبني مستقبل الأجيال
فيا رفاق القلم واكبوا تغير أمتكم وغيروا من لهجتكم من الانتقاد إلى الإشادة المستحقة والمشاركة في الانتصارات والإنجازات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق