السبت، 26 ديسمبر 2015

سأفارق الميدان


بعد أيام قليلة سنفارق عام 2015 ونستقبل عاماً جديدا، وبين عام وعام لابد أن تكون لكل واحد منا وقفة مع نفسه، يستذكر فيها حصاد العام المنصرم، ويضع أهداف العام القابل، وإذا أردنا أن نضع عنواناً عاماً لسنة 2015 فهو بلا شك ( عام الحزم والشهداء ) ويشرفني أن يكون كذلك على الصعيد الشخصي، فسأتذكر طوال حياتي أن العام الذي شهد عاصفة الحزم وشهد ارتقاء الشهداء، كنت خلاله ضمن مجندي الدفعة الثالثة في الخدمة الوطنية، فقد كان 2015 عاماً عسكرياً بامتياز بالنسبة لي من خلال التجنيد وبالنسبة للإمارات والخليج من خلال عاصفة الحزم وارتقاء الشهداء.


في 2015 انتقل العرب من مرحلة الشجب والاستنكار إلى مرحلة التحالف والحزم والأمل

انتقلنا إلى مرحلة جديدة ندافع فيها عن أنفسنا بأنفسنا وأصبح لدينا مشروع سياسي وعسكري وأمني على درجة عالية من التنسيق والتعاون

بدأ عام 2015 بالتحالف العربي واختتم بالتحالف الإسلامي فيالها من بداية ونهاية أعادت للأمة العربية والإسلامية الكثير من الهيبة والمجد

ولابد أن نشكر المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن نايف وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان فقد كان لهم الفضل بعد الله في كل هذه الإنجازات والتحولات الكبرى في المواقف العربية والإسلامية

وكعادتها المشرفة شاركت الإمارات العربية المتحدة بقوة في التحالف العربي وجادت بفلذات الأكباد لنصرة الدين والأمة وحماية الوطن والأشقاء ورفع الظلم ودعم الحق والشرعية

في 4 سبتمر ارتقى ما يزيد عن 45 شهيداً ... سادت حالة من الصدمة والحزن ... أعقبها شعور بالفخر والاعتزاز ...

ثم سطرت الإمارات بقيادتها وشعبها ملحمةً وطنيةً غير مسبوقة ستظل محفورة في تاريخ هذا الوطن الأبي

فمن منا سينسى بطولات وتضحيات الشهداء وصبر ووفاء أهالي الشهداء
من منا سينسى مواقف المصابين والجرحى الخالدة
من منا سينسى وقفة قيادة الإمارات وشيوخها الكرام
من منا سينسى تلاحم شعب الإمارات مع أهالي الشهداء ومع القيادة الرشيدة وتجديدهم العزم على الدفاع عن الوطن وخدمته في كافة الميادين

لقد أثبت عام 2015 شجاعة وبسالة ونبل شباب بلادي شباب الإمارات

وعلى الصعيد الشخصي قضيت 2015 في تلبية نداء الخدمة الوطنية ... فتعلمت الكثير واستفدت الكثير

والآن حان وقت مفارقة الميدان فقد أنجزت الشهور التسعة التي ستبقى محفورةً في الوجدان وحاضرةً في السلوك اليومي

بعد أن كنت أعيش حالةً من الترقب والتخوف قبل الانضمام للدورة ... اليوم أعيش حالة من الهم وشيءٍ من الحزن لأنني سأفارق ميدان العسكرية

لقد تعودت على نمط الحياة في القوات المسلحة وأعجبني كثيراً والآن علي أن أعود للحياة المدنية ... فما أصعب فراق الميدان

ويبقى عزاؤنا بأننا رهن الإشارة دوماً لخدمة الدين والوطن تحت أمر ولاة الأمر

وأرواحنا تتوق للشهادة في سبيل الله بمجرد أن ينادينا منادي الوطن

ويبقى عزاؤنا بأننا جميعاً نقوم بخدمة وطننا سواء في المجال العسكري أو المدني ... فالإمارات تنتظر إبداعاتنا ونجاحاتنا

الله ثم الوطن ثم ريس الدولة

نسأل الله أن يشهد عام 2016 المزيد من الانتصارات والإنجازات وأن يدوم علينا الأمن والأمان والخير والاستقرار

 

الخميس، 17 ديسمبر 2015

نحو نظرة جديدة لعالمنا العربي



ألا تلاحظون أن عالمنا العربي يشهد تحولات وإنجازات كبرى ؟



إذا عدنا للوراء قليلا سنشاهد أن الطرح التالي هو ما كان سائدا إبان فترة الضعف الكلي والجمود التام في العالم العربي


منذ أن وعينا على الدنيا لم نشاهد أي انتصار عسكري أو إنجاز تنموي أو مجد حضاري على مستوى العالم العربي، بل كل ما كنا نعرفه عن عالمنا العربي أنه متخلف على كافة الأصعدة، تنهشه الحروب والصراعات من جانب والجرائم والفساد والاستبداد من جانب آخر، كل ما عرفناه منذ صغرنا عن أمتنا العربية أنها مهزومة وضعيفة ومتفرقة، وتصف حالتنا تلك المقولة الشهيرة " اتفق العرب على ألا يتفقوا "

كل ما عرفته عن عالمنا العربي أن طعامه ليس من مزرعته وملابسه ليست من خياطته وبضائعه ليست من صناعته وأسلحته ليست من إنتاجه

عرفت عالمنا العربي كوطن جاهل مستهلك لا يخترع ولا يبتكر ولا يزرع ولا يصنع ولا ينتج بل فقط يستهلك

عرفت عالمنا العربي متفرقا لا يسعى للوحدة والتحالف بل يزداد تفرقا

عرفت عالمنا العربي ضعيفا مهزوما، لا يتجرأ على رفع السلاح بوجه من يعتدي عليه صغر أو كبر، بل كل ما يجيده الشجب والاستنكار، حتى أصبحت أراضينا مستباحة لكل من هب ودب، ونحن لا حول لنا ولا قوة

عرفت عالمنا العربي وقد اكتسى بالفقر والمرض والجهل


مع كل هذا الضعف والتفرق والتخلف كان طبيعياً أن يكون الطرح الأدبي والفكري للنخب العربية نابعاً من هذا الواقع المأساوي

فكنت أتابع في القصائد والقصص والإنتاج الفني والأدبي عموما ... صوتاً متألماً يبكي على حال الأمة ... ولا يملك سوى استذكار الأمجاد الغابرة في تاريخنا المجيد والدعوة لصحوة ونهضة عربية شاملة تعيد لم الشمل وترتقي بالبناء الحضاري وتحقق الانتصارات المجيدة وتحمي الأرض والعرض والمال


ووجدنا الكثير من الأطروحات والمشاريع التي تقدم وصفة لعلاج مشكلات عالمنا العربي

كان المفكرون يركزون على نقاط محددة يرونها تشكل الأسباب الرئيسية لتخلف عالمنا العربي وأزماته الخانقة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية، ومن أهم هذه الأسباب:

- ضعف الوازع الديني: حيث أن التمسك بالدين من حيث سلامة العقيدة والاجتهاد في الطاعة وترك المعاصي على مستوى الأفراد والمجتمعات تؤدي إلى حفظ الله وتوفيقه وتأييده ونصره وتمكينه للأمة
- التخلف السياسي: الاستبداد والطغيان والفساد المنتشر لدى الكثير من النخب الحاكمة في العالم العربي
- ضعف الدور العسكري: لم نخض فيما سبق حرباً واحدة رغم كثرة الأعداء والاعتداءات ( باستثناء حرب أكتوبر وحرب الخليج وبعض المعارك الجانبية )
- كثرة المشاكل الأمنية: انتشار الجرائم بكثرة في العديد من الدول العربية
- سوء الأحوال المعيشية: يعاني الكثير من أبناء العالم العربي من الفقر المدقع والأمراض والأحوال السكنية والمعيشية المتردية
- انتشار الأفكار المنحرفة والمتطرفة: تنتشر بعض الأفكار ذات التطرف والغلوم، كما تنتشر أفكار أخرى مصادمة للدين
- ضعف الاقتصاد: يعتمد الاقتصاد العربي على موارد غير متجددة أبرزها النفط والغاز، ولا توجد قطاعات صناعية وقاعدة إنتاجية قوية
- ضعف مخرجات التعليم: خريجو المدارس والجامعات لا يمتلكون المعارف والمهارات التي تحدث النقلة المطلوبة في سوق العمل والاقتصاد الوطني
- ضعف مؤشرات التنمية: انحدار كبير في معدلات القراءة والمعرفة وبراءات الاختراع والبحوث العلمية

بشكل عام وجدنا أن المشكلة في العالم العربي تتمثل في ضعف المواقف السياسية والعسكرية، ضعف اقتصاد المعرفة والابتكار والإنتاج، انتشار الجهل والفقر والمرض، انتشار الصراعات، دول استهلاكية غير إنتاجية

وقد قدم المفكرون الاستراتيجيون والمحللون في العالم العربي عدة حلول لمشكلة العالم العربي من أبرزها:

- تكوين تحالفات سياسية وعسكرية واتخاذ مواقف ميدانية قوية ضد من يعتدي علينا
- مواجهة الفكر المتطرف وتعزيز قيم التسامح والتعايش والسلام والوسطية
- تعزيز المشاركة الشعبية في الحكم
- تطوير التعليم والتركيز على التخصصات العلمية المنتجة
- دعم الابتكار والإبداع والاختراع والبحث العلمي
- إعداد القادة وتشجيع المبدعين ودعم ريادة الأعمال ومشاريع الشباب
- توسيع القاعدة الإنتاجية وإطلاق مشاريع صناعية عربية كبرى
- تعزيز التنافسية الحضارية على المستوى العالمي
- الارتقاء بالمستوى المعيشي عبر محاربة الفقر والمرض والجهل من خلال الجهود الإنسانية والخيرية وتمكين الشباب والأسر وإجراء الأبحاث العلمية
- تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد معرفي مستدام



كانت هذه ملامح المشكلة وأسبابها وحلولها في العالم العربي

ولكن ما أود ذكره الآن هو أن الطرح الفكري من المحللين والكتاب العرب يجب أن يواكب ما حصل من تطورات وتحولات وإنجازات عربية في الآونة الأخيرة


فقد حدثت تحولات إيجابية كبيرة في عالمنا العربي علينا مواكبتها


لم تعد الدول العربية كالسابق ضعيفة ومتفرقة

ولم تعد كما كانت مهزومة ومتخلفة

لقد أصبحت لنا تحالفات ومواقف سياسية وعسكرية قوية

لقد أطلقنا مشروعات اقتصادية وتنموية كبرى


ألا يجعلنا هذا أن نتفاءل بمستقبل مشرق لأجيالنا العربية القادمة؟

ألا يدعونا هذا للقول بأن أمتنا العربية بدأت في السير على الطريق الصحيح؟
 

أعتقد أننا استعدنا شيئاً من مجدنا وهيبتنا وحكمتنا

 

لطالما حاصرتنا الأزمات في السابق ووقفنا تجاهها موقف المتفرج

أما الآن فقد تبدل الحال وأصبحت لنا كلمة وقبل الكلمة لنا فعل

 
ألا يتطلب هذا التغير الإيجابي في عالمنا العربي أن نغير نظرتنا تجاهه؟

 

نعم، بكل تأكيد، هذا التغير الإيجابي في عالمنا العربي يجب أن يؤدي إلى تغير نظرتنا تجاهه ويجب أن يؤدي إلى تغير لغة الخطاب الإعلامي والفكري

 
لطالما كنا نشتكي من ضعف " المواقف العربية " تجاه أزماتها والحروب والاعتداءات التي تمارس على أراضيها

ولطالما اشتكينا أيضاً من ضعف " البناء والتنمية " في العالم العربي بجوانبه المختلفة من بناء اقتصادي متكامل ومتنوع وتنمية بشرية ومعرفية وتكنولوجية

 

واليوم نشاهد " مواقف " قوية ونشاهد أيضاً " بناءً اقتصادياً ومعرفياً وحضارياً " قويا


ليس من المعقول أن نستمر في إطلاق ذات الأوصاف السلبية حول عالمنا العربي رغم كل هذه التغيرات الإيجابية في واقعنا العربي


يجب أن ننتقل من النقد البناء إلى المشاركة في البناء بتقديم الأفكار ودعم الحلول
 
لقد تغير عالمنا العربي وأصبح أكثر وعياً بمشكلاته، بل إنه بدأ بخطوات قوية في التطوير الشامل، وبدأ يشكل تحالفات ويقود معارك مهمة لحفظ أمنه واستقراره وكرامته، وأصبحنا نهتم باقتصاد المعرفة، ونبني مستقبل الأجيال
 
فيا رفاق القلم واكبوا تغير أمتكم وغيروا من لهجتكم من الانتقاد إلى الإشادة المستحقة والمشاركة في الانتصارات والإنجازات
 
 

الجمعة، 11 ديسمبر 2015

جزيرة الأحلام ... لا إحباط مع الفرص



في يوم الثلاثاء الماضي الموافق 8 ديسمبر كان الجو باردا ومصحوبا بالرياح وفي الأفق تلوح الغيوم وتتحرك متناثرة فيما يعرف محليا بالشمال، توجهت صباح ذلك اليوم برفقة صديقي إلى العاصمة الجميلة ذات الأناقة والفخامة والنظام الراقي أبوظبي منطلقين من مسقط رأسنا عجمان، حيث طلب مني قبلها بيوم مرافقته إلى هناك بغرض تقديم طلب توظيف في إحدى المؤسسات الإعلامية، انطلقنا في شارع الإمارات العابر مصطحبين أوراقنا وسيرنا الذاتية ومعنا أيضا السيرة الذاتية لصديقنا الآخر " بو راشد " ، وفي الطريق توقفنا لبعض الوقت في محطة البترول لشراء بعض المشروبات والمأكولات والحلويات، تناولت أنا سنيكرز وكبتشينو بينما اختار صديقي إحدى المشروبات الباردة التي تزوده بالكربوهيدرات كما يقول.

أكملنا الطريق إلى العاصمة في رحلة نحو المستقبل الإعلامي الباهر، وطوال الطريق كنا نتبادل أطراف الحديث ولم نتوقف لحظة، وجل كلامنا كان حول العمل وبناء المستقبل، وأيضا حول اهتماماتنا الثقافية المشتركة في مجال القراءة والكتابة، واهتماماتنا الصحية المشتركة كممارسة رياضة المشي وركوب الدراجات الهوائية، وقد كنت أناقشه بشأن بعض الأمور التي تؤرقني مثل شراء السيارة وتغيير الوظيفة والإقدام على الزواج والارتباك من تكاليفه المالية وطرق تدبيرها.

حيث نصحني بشراء السيارة بالأقساط واستكمال جمع المبلغ المخصص للزواج، وشدد علي أن أكتفي بقرض واحد فقط، حتى لا يضيع الراتب في سداد الديون ولا يتبقى مبلغ يكفي للعيش والادخار.

وبالنسبة لمستقبلي الوظيفي فهو يتجه في مسارين الأول أن أطلب من مديري نقلي إلى القسم الإعلامي في المؤسسة التي أعمل فيها حاليا، والثاني أن أقوم بالتزامن مع هذا النقل بالبحث عن وظيفة أفضل في مكان آخر، دون أن يؤثر هذا البحث على حماسي وتركيزي وإبداعي في الوظيفة الحالية.

أما فيما يخصه هو فقد كان يكرر الحديث بأنه من الصعب جدا أن يفارق عمله الحالي، فقد اعتاد عليه وأحبه وبرع فيه، وأيضا تكونت له " عشرة حياة " مع زملائه في هذه الوظيفة، لكنه استدرك قائلا: لقد نصحني أحدهم بقوله " المكان الي يعزك روح له " وبدوري أيدت هذه المقولة وقلت له : لا تغلب العاطفة في أمر يتعلق بمصلحتك المادية والحياتية كالوظيفة، جميل أن تكون وفيا للمكان الذي عملت فيه، لكن هذا لا يعني أن تترك الفرصة تفوتك لتعديل وضعك المالي الذي تعاني منه بسبب دوامة القروض وغلاء المعيشة، أما زملاء العمل فكم هو رائع أن تظل وفيا لهم وتتواصل معهم بين الفينة والأخرى في حال انتقالك للعمل الجديد.

وصلنا أبوظبي فاستقبلتنا برحابة شوارعها وعلو أبراجها وقلوب أهلها الطيبين، كانت المدينة تبدو وكأنها عروس تزينت لاستقبال ضيوفها، فأكثر ما يلفت الانتباه في العاصمة بنيتها التحتية الحديثة والنظافة العامة وجمالية المظهر الحضاري والنظام الدقيق في العمل، ما يدعونا كإماراتيين للفخر والاعتزاز بعاصمتنا الحبيبة.

وصلنا إلى وجهتنا بمساعدة نظام الخرائط في الهاتف المتحرك، نزل صديقي مصطحبا أوراقنا جميعا بينما فضلت أنا البقاء في السيارة، وبعد دقائق الانتظار التي قضيتها في قراءة كتاب " باب النجار مخلع - للدكتور منصور أنور " عاد صديقي حاملا ذات الأوراق، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة تدل على الاستغراب وربما السخرية من الذات، كما أن تعابير وجهه كانت توحي بالإحباط، قال لي " لقد رفضوا طلباتنا الورقية وأخبروني أن التقديم على الوظائف يكون عبر البريد الالكتروني فقط " قالها وهو محبط ومستاء، وقد أضاف مستغربا " تبدو إجراءاتهم مشددة فقد طلبوا بطاقة الهوية ويوجد حراس سكيورتي في أكثر من ممر "

وهنا لدي وقفتان:

1- الوقفة الأولى: إذا نظرنا للموضوع من جانب شخصي فقد ننزعج من الإجراءات الأمنية، لكن بقليل من التفكير سندرك أنها في صالحنا، حيث ما وضعها المسؤولون إلا لحماية المصلحة العامة.

2- الوقفة الثانية: ربما يكون من الصعب أن تقطع المسافة من عجمان إلى أبوظبي وترجع دون أن تقدم أوراقك، لكن هذا خطأنا نحن، فقد كان من المفترض أن نرفع السماعة ونتصل بهم قبل الذهاب إلى هناك، واليوم نحن في عصر التطور التكنولوجي والتقديم عبر البريد الالكتروني أفضل وأسهل بكثير بالنسبة لنا.

تأسف صديقي لما حصل، وعاد أدراجه عبر نفس الطريق الذي جاء منه، فقلت له حصل خير، ما يهمنا في الموضوع التقديم على الوظيفة، كل ما علينا يا صديقي أن نرسل سيرتنا الذاتية عبر الايميل وينتهي كل شيء.

وهكذا عاد صديقي إلى مزاجه الصافي واستعاد توازنه النفسي، بل وقرر أن يصطحبني معه إلى " ياس مول " وهو أحدث مركز تجاري في أبوظبي، وصلنا المول في أول زيارة لي وله إليه، كان الجو رائعا، أوقفنا السيارة، ونزلنا متجهين إلى إحدى بوابات المركز، كان ذلك في حدود الساعة 11:00 صباحا في يوم دوام رسمي، وهو توقيت مناسب فقد كان المركز يشهد حركة خفيفة من الزوار ولا يوجد ازدحام يعيق حركتنا وترفيهنا، التقطت بعض الصور الداخلية للمول واتجهنا سويا إلى مقهى باول وهناك احتسى صديقي كأسا من الشاي أما أنا فطلبت القهوة وقطعة من الكعك، ولم أفوت الفرصة فالتقطت صورة لهذا الطبق الشهي، ونشرت جميع هذه الصور على صفحتي في انستجرام، وفي هذه الأثناء كان صديقي منشغلا بإرسال سيرته الذاتية عبر الايميل وقد فعل.

بعد خروجنا من ياس مول جال بخاطري تساؤل ملح فوجهت بصري مستغربا نحو صديقي وسألته مستفهما: ما الذي يدفع هؤلاء الأجانب لترك بلدانهم والمجيء تحديدا إلى دولتنا الإمارات؟

أجابني بثلاث كلمات قائلا: الطقس، الأمان، طيبة الشعب الإماراتي.

فعلا هذه أسباب مهمة تدفع الأجانب للقدوم إلى أبوظبي ودبي والإمارات عموما، ولكن هناك منظومة متكاملة من المقومات والمرافق والخدمات التي تجذب السواح والمقيمين أيضا، فبجانب الأمن والاستقرار والطقس وطيبة شعبنا الإماراتي، هناك البنية التحتية والخدمات، وتطور النقل والاتصالات وقطاع الطاقة، وكذلك تزخر بلادنا بالمناظر الخلابة، والمعالم والآثار، وتنتشر فيها الفنادق والأسواق والمتاحف والشواطئ، وهكذا يأتي الناس لدولتنا من الشرق والغرب، فالحمد لله على نعمة الأمن والاستقرار والتطور والازدهار.

في الإمارات يأتي الأجانب للإقامة، الدراسة، السكن، العمل، العلاج، الاستثمار، السياحة ... فكل شيء متوفر والحكومة تقدم كل الخدمات والتسهيلات من خلال سياسة اقتصادية تتصف بالانفتاح ... والمؤسسات الحكومية تقوم بجهود كبيرة في التسويق والترويج التجاري والسياحي من خلال الوسائل المختلفة ...

بعد محطة ياس مول ركبنا السيارة آيبين إلى عجمان تلك الإمارة الصغيرة بمساحتها الكبيرة بحكامها ورجالها وطموحاتها، والتي تمتلك هي الأخرى مقومات سياحية ستجعلها من أبرز الوجهات والمحطات في المنطقة خلال السنوات القادمة، في الطريق توقفنا لأداء صلاة الظهر في مصلى إحدى محطات البترول، ثم استكملنا أحاديث الطريق.

سألته عن رياضته الجديدة المتمثلة في ركوب الدراجات الهوائية، فأجابني بأنه يحرص على ممارستها بشكل شبه يومي برفقة ثلة من رفاقه الدراجين، وأوضح بأن هذه الرياضة تتطلب لياقة عالية، فهم يقودون الدراجات لمسافة طويلة تقارب الأربعين كيلومترا، وقال صديقي الدراج بأن هذه الرياضة حققت له انخفاضا في الوزن وأصبح جسمه أكثر تناسقا والأهم أنها خلصته من أمراض وشيكة كان في مقدمتها ضغط الدم، أما أنا فقلت له أنني حريص على ممارسة رياضة المشي لدورها الكبير في الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية.

عدنا للحديث عن موضوع " الإحباط " الذي نعاني منه أنا وهو وصديقنا الثالث بو راشد الغائب عن هذه الرحلة لظروف عمله، وقلت له اطمئن يا صديقي أنت جئت إلى أبوظبي لتقدم على وظيفة في المؤسسة الإعلامية وقد حدث ما أردت، ليس المهم أنك قدمت الطلب ورقيا أو عبر البريد الالكتروني، المهم أنك قدمت، وعليك الآن أن تنتظر الرد بخصوص المقابلة، وأنا متفائل أنك ستعمل لديهم، سألني: لماذا أنت واثق إلى هذه الدرجة ؟

أجبت : لأنهم بحاجة لموظفين مواطنين وكما تعلم بأن مهنة الصحافة يقل فيها حضور العنصر الوطني، والسبب الثاني لتفاؤلي هو أنني أجد فيك كافة مقومات النجاح، من مؤهل جامعي وخبرة في العمل في نفس المجال، وأيضا أنت تمتلك اللغة ومهارات الصياغة، والأهم من كل هذا هو رغبتك الكبيرة في النجاح، بالإضافة إلى أن هذه المؤسسة الإعلامية تقع في أبوظبي وهذا لوحده سبب مقنع للتفاؤل.

وفي شارع الشيخ محمد بن زايد في الطريق إلى عجمان واصلنا الحديث بغرض تبادل الأفكار والنقاش الهادف وأيضا بغرض تمضية الوقت دون الشعور بالملل، تحدثنا عن مبادرة صاحب السمو رئيس الدولة بإعلان عام 2016 عاما للقراءة، وقلت له بأن هذا العام هو عامنا معشر القراء والكتاب وعشاق الثقافة والأدب والمعارف، حيث يجب أن نتفاعل مع المبادرة، ونشارك بالأفكار والأنشطة والمشاريع الثقافية، وربما تكون هذه فرصة لنا لنطلق مشروعا ثقافيا تجاريا، يجمع بين الرسالة الثقافية والربح الاستثماري، عرضت عليه بعض الأفكار، لكنها لم تحظ بإعجابه وموافقته، فأجلنا موضوع المشروع.

لاحظت كتاب " باب النجار مخلع " المتسمر أمامي فتناولته بيدي لأستكمل قراءته، ظن صديقي بأنها رواية كالعادة، فأخبرته بأنه ليس رواية إنما نصوص ومقالات متفرقة أغلبها تتناول موضوعات صحية بطابع خفيف واجتماعي، فبزغت في عقله فكرة رائعة قائلا " لماذا لا تجمع عددا من مقالاتك وتضعها في كتاب ؟ " في البداية رفضت الفكرة لكنني بعد ذلك تحمست لها وبدأت في داخلي أفكر فيها بجدية.

بعد مدة وصلنا عجمان وأنزلني صديقي عند بيتنا وودعني، لكنه لم يودع حلمه بمستقبل إعلامي مشرق يحقق فيه التميز ويخدم الوطن وأيضا يبني لنفسه وضعا ماليا واجتماعيا يليق به ويخرجه من مأزقه الحالي بين مصاريف الأسرة وتكاليف بناء المسكن ودوامة القروض التي لا تنتهي، أكرر تفاؤلي بنجاحك يا صديقي فإن ربك كريم، وأنا أرى فيك الكفاءة، والعاصمة أبوظبي هي جزيرة الأحلام التي لا تدع مجالا للإحباط مع وفرة الفرص.

حفظك الله يا أبوظبي

حفظك الله يا إماراتنا

ونسأل الله أن يديم الأمان والنعمة ويوفق قيادتنا للعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى وينفع الوطن والشعب

وفقك الله وأسعدك ويسر على درب التقى طريقك يا صديقي بو فاطمة

الجمعة، 20 نوفمبر 2015

أي نبلٍ جاوزك الجبال




أجدادنا السابقون في زمن الطيبين، كانوا يفعلون أكثر مما يقولون، فهم يجعلون أفعالهم تتكلم بدلاً من ألسنتهم، لا يجيدون صياغة الكلمات بل يجيدون تسطير النماذج الواقعية المشرفة، أما نحن في هذا الزمن فكثيراً ما نقول ما لا نفعل، ونتحدث أكثر من من أن ننجز في الواقع، إننا كثيراً ما نتحدث عن القيم والأخلاق والمبادئ، وكثيرا ما نسدي النصائح بل والمحاضرات الطويلة والعريضة لنحث الناس على عمل صالح أو خلق قويم، وهذا كله يأتي في إطار سعينا لنشر الخير والإحسان، ولكن كل هذه الإرشادات والمواعظ ليست كافية لإقناع الناس بفعل الخير، ففي النهاية سيكون منهم من يطبق ما نصحته به ومنهم من لن يطبق، لكن حين يرى الناس نماذج على أرض الواقع تطبق الأخلاق والمبادئ وأعمال الخير، فإنهم سيسارعون إلى الاقتداء به.
فإن التعليم بالقدوة هو من خير الوسائل لحث الآخرين على عمل الخير وفعل الصالحات، وهذا ما كان يتحلى به أجدادنا الأولون، فلقد ضربوا أروع الأمثلة في التفاني من أجل قيمهم ومن أجل العمل الصالح ومن أجل أداء الواجب تجاه أهلهم وتجاه الناس أجمعين.

أحدثكم اليوم عن جدي سليمان بن علي بن عبدالله بني حسينوه الظهوري – رحمه الله - ، وبشكل تقديري فإنه قد ولد في ثلاثينيات القرن الماضي وتوفي في نهاية الثمانينات أي أنه عاش حوالي 55 عاما، وهذا كما ذكرت رقم تقريبي لعدم إصدار شهادات ميلاد في ذلك الوقت وذاك المكان، حيث أن جدي سليمان بن علي هو من أبناء قبيلة الظهوري التي تسكن مناطق مختلفة منتشرة بين الإمارات وعمان، ومنها منطقة رؤوس الجبال التي لا تبعد كثيراً عن ساحل دبا ولا عن جبال رأس الخيمة، وكان جدي تحديداً من منطقة جبلية بحرية في رؤوس الجبال تسمى ( منصل )، وكان أهلنا في ذاك الزمن يقضون الشتاء في رؤوس الجبال أما المقيظ ( فصل الصيف ) فإنهم يقضونه في دبا، وكانت لديهم بيوت ومزارع ونخيل في دبا حيث أنها بلادهم كما هي رؤوس الجبال بلادهم، ولا يفصل بين المنطقتين سوى مشوار ساعة بواسطة البحر، ولكن هذا المشوار كان يأخذ وقتاً أطول في زمنهم لعدم وجود القوارب ذات المحركات الحديثة، بل كانوا يتنقلون بواسطة ( اللنجات ) والقوارب الخشبية، التي تسير ببطء شديد.

تحدثني والدتي بأن جدي سليمان بن علي – رحمه الله - كان حريصاً جداً على صلة الأرحام، وقد ضرب أروع الأمثلة في الوفاء للأقارب، والحرص الشديد على زيارتهم بين الفينة والأخرى، حتى لو كان ذلك على حساب صحته، وحتى لو شكل ذهابه إليهم خطراً على حياته، قد تتساءلون كيف تشكل زيارة الأرحام خطراً على صحته وسلامته وحياته؟

كما قلت لكم أن جدي من سكان منطقة منصل الجبلية، وكان لديه أهل وأقارب في قرية خصب، ولم يكن آنذاك من طريق معبد بين المنطقتين، ولم تكن هناك سيارات في ذلك المكان، وبالتالي فإنه كان يصعد الجبال الشاهقة ويتنقل من جبل إلى آخر، باستخدام تلك الطرق الجبلية شديدة الوعورة والخطورة، ولم تكن المسافة قصيرة على الإطلاق، بل إنها مسافة بعيدة تستغرق وقتاً طويلاً يقضيه بين الجبال سيراً على الأقدام، من أجل غاية واحدة وهي أداء واجب الزيارة، ولم تكن هذه العادة سائدة لدى جميع أقرانه، بل إنه الوحيد ربما الذي يخاطر بنفسه من أجل صلة أرحامه وزيارة أقاربه، رغم أنه كان كبيراً في السن حينها وليس في كامل قواه الجسدية، لكنها الإرادة والإخلاص.

تقول والدتي بأن جدي عندما يصل إلى خصب، يلقى ترحيباً كبيراً من أهلها، الذين يتجه بعضهم إلى المرحومة فاطمة بنت أحمد بن عبدالله ( وهي ابنة عمه ، وقد تزوجها أحد رجال خصب فانتقلت للسكن هناك ) كان بعض الصبية والفتيات يتجهن إلى فاطمة بنت أحمد ( ابنة عم جدي ) ليخبروها وهم في غاية السرور واللهفة: ( لقد وصل ابن عمك الظهوري ... لقد وصل إلى قريتنا ) وكانت ابنة عمه تحرص على إكرام ضيافته هي وعائلتها وزوجها، ويعدون له الولائم والضيافة المستحقة، ويرحبون به أكبر ترحيب، ويقدرون له مجيئه ويتمنون له السلامة والعافية.

هكذا كان جدي يتجاوز الجبل تلو الجبل من أجل أن يرى هذه الابتسامة على وجوه أقاربه هناك، ومن أجل أن يدخل البهجة على قلوب أطفال خصب، ومن أجل أن يذكره الجميع بالخير، ومن أجل أن يكتب الله له الثواب أولاً وأخيراً، وهكذا نستلهم نحن الأحفاد من قصص أجدادنا الدروس والعبر، ونقف وقفة تقدير لتضحياتهم وعطائهم ونبل أخلاقهم، ولكن السؤال المهم بالنسبة لنا اليوم:
هل نحن اليوم نحرص على صلة الأرحام كما كان أجدادنا يحرصون عليها؟

هل نستخدم ما أنعم الله به علينا من وسائل نقل ووسائل اتصال لنتحدث مع أقاربنا ونطمئن عليهم؟

بإمكاننا اليوم أن نصل أرحامنا بضغطة زر، ولا نحتاج أبداً أن نتنقل بين الجبال الوعرة، فهل ضغطنا الزر واتصلنا بأرحامنا؟

 كتبه:
سليمان أحمد سليمان الظهوري - الجمعة 20 نوفمبر 2015