الجمعة، 11 ديسمبر 2015

جزيرة الأحلام ... لا إحباط مع الفرص



في يوم الثلاثاء الماضي الموافق 8 ديسمبر كان الجو باردا ومصحوبا بالرياح وفي الأفق تلوح الغيوم وتتحرك متناثرة فيما يعرف محليا بالشمال، توجهت صباح ذلك اليوم برفقة صديقي إلى العاصمة الجميلة ذات الأناقة والفخامة والنظام الراقي أبوظبي منطلقين من مسقط رأسنا عجمان، حيث طلب مني قبلها بيوم مرافقته إلى هناك بغرض تقديم طلب توظيف في إحدى المؤسسات الإعلامية، انطلقنا في شارع الإمارات العابر مصطحبين أوراقنا وسيرنا الذاتية ومعنا أيضا السيرة الذاتية لصديقنا الآخر " بو راشد " ، وفي الطريق توقفنا لبعض الوقت في محطة البترول لشراء بعض المشروبات والمأكولات والحلويات، تناولت أنا سنيكرز وكبتشينو بينما اختار صديقي إحدى المشروبات الباردة التي تزوده بالكربوهيدرات كما يقول.

أكملنا الطريق إلى العاصمة في رحلة نحو المستقبل الإعلامي الباهر، وطوال الطريق كنا نتبادل أطراف الحديث ولم نتوقف لحظة، وجل كلامنا كان حول العمل وبناء المستقبل، وأيضا حول اهتماماتنا الثقافية المشتركة في مجال القراءة والكتابة، واهتماماتنا الصحية المشتركة كممارسة رياضة المشي وركوب الدراجات الهوائية، وقد كنت أناقشه بشأن بعض الأمور التي تؤرقني مثل شراء السيارة وتغيير الوظيفة والإقدام على الزواج والارتباك من تكاليفه المالية وطرق تدبيرها.

حيث نصحني بشراء السيارة بالأقساط واستكمال جمع المبلغ المخصص للزواج، وشدد علي أن أكتفي بقرض واحد فقط، حتى لا يضيع الراتب في سداد الديون ولا يتبقى مبلغ يكفي للعيش والادخار.

وبالنسبة لمستقبلي الوظيفي فهو يتجه في مسارين الأول أن أطلب من مديري نقلي إلى القسم الإعلامي في المؤسسة التي أعمل فيها حاليا، والثاني أن أقوم بالتزامن مع هذا النقل بالبحث عن وظيفة أفضل في مكان آخر، دون أن يؤثر هذا البحث على حماسي وتركيزي وإبداعي في الوظيفة الحالية.

أما فيما يخصه هو فقد كان يكرر الحديث بأنه من الصعب جدا أن يفارق عمله الحالي، فقد اعتاد عليه وأحبه وبرع فيه، وأيضا تكونت له " عشرة حياة " مع زملائه في هذه الوظيفة، لكنه استدرك قائلا: لقد نصحني أحدهم بقوله " المكان الي يعزك روح له " وبدوري أيدت هذه المقولة وقلت له : لا تغلب العاطفة في أمر يتعلق بمصلحتك المادية والحياتية كالوظيفة، جميل أن تكون وفيا للمكان الذي عملت فيه، لكن هذا لا يعني أن تترك الفرصة تفوتك لتعديل وضعك المالي الذي تعاني منه بسبب دوامة القروض وغلاء المعيشة، أما زملاء العمل فكم هو رائع أن تظل وفيا لهم وتتواصل معهم بين الفينة والأخرى في حال انتقالك للعمل الجديد.

وصلنا أبوظبي فاستقبلتنا برحابة شوارعها وعلو أبراجها وقلوب أهلها الطيبين، كانت المدينة تبدو وكأنها عروس تزينت لاستقبال ضيوفها، فأكثر ما يلفت الانتباه في العاصمة بنيتها التحتية الحديثة والنظافة العامة وجمالية المظهر الحضاري والنظام الدقيق في العمل، ما يدعونا كإماراتيين للفخر والاعتزاز بعاصمتنا الحبيبة.

وصلنا إلى وجهتنا بمساعدة نظام الخرائط في الهاتف المتحرك، نزل صديقي مصطحبا أوراقنا جميعا بينما فضلت أنا البقاء في السيارة، وبعد دقائق الانتظار التي قضيتها في قراءة كتاب " باب النجار مخلع - للدكتور منصور أنور " عاد صديقي حاملا ذات الأوراق، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة تدل على الاستغراب وربما السخرية من الذات، كما أن تعابير وجهه كانت توحي بالإحباط، قال لي " لقد رفضوا طلباتنا الورقية وأخبروني أن التقديم على الوظائف يكون عبر البريد الالكتروني فقط " قالها وهو محبط ومستاء، وقد أضاف مستغربا " تبدو إجراءاتهم مشددة فقد طلبوا بطاقة الهوية ويوجد حراس سكيورتي في أكثر من ممر "

وهنا لدي وقفتان:

1- الوقفة الأولى: إذا نظرنا للموضوع من جانب شخصي فقد ننزعج من الإجراءات الأمنية، لكن بقليل من التفكير سندرك أنها في صالحنا، حيث ما وضعها المسؤولون إلا لحماية المصلحة العامة.

2- الوقفة الثانية: ربما يكون من الصعب أن تقطع المسافة من عجمان إلى أبوظبي وترجع دون أن تقدم أوراقك، لكن هذا خطأنا نحن، فقد كان من المفترض أن نرفع السماعة ونتصل بهم قبل الذهاب إلى هناك، واليوم نحن في عصر التطور التكنولوجي والتقديم عبر البريد الالكتروني أفضل وأسهل بكثير بالنسبة لنا.

تأسف صديقي لما حصل، وعاد أدراجه عبر نفس الطريق الذي جاء منه، فقلت له حصل خير، ما يهمنا في الموضوع التقديم على الوظيفة، كل ما علينا يا صديقي أن نرسل سيرتنا الذاتية عبر الايميل وينتهي كل شيء.

وهكذا عاد صديقي إلى مزاجه الصافي واستعاد توازنه النفسي، بل وقرر أن يصطحبني معه إلى " ياس مول " وهو أحدث مركز تجاري في أبوظبي، وصلنا المول في أول زيارة لي وله إليه، كان الجو رائعا، أوقفنا السيارة، ونزلنا متجهين إلى إحدى بوابات المركز، كان ذلك في حدود الساعة 11:00 صباحا في يوم دوام رسمي، وهو توقيت مناسب فقد كان المركز يشهد حركة خفيفة من الزوار ولا يوجد ازدحام يعيق حركتنا وترفيهنا، التقطت بعض الصور الداخلية للمول واتجهنا سويا إلى مقهى باول وهناك احتسى صديقي كأسا من الشاي أما أنا فطلبت القهوة وقطعة من الكعك، ولم أفوت الفرصة فالتقطت صورة لهذا الطبق الشهي، ونشرت جميع هذه الصور على صفحتي في انستجرام، وفي هذه الأثناء كان صديقي منشغلا بإرسال سيرته الذاتية عبر الايميل وقد فعل.

بعد خروجنا من ياس مول جال بخاطري تساؤل ملح فوجهت بصري مستغربا نحو صديقي وسألته مستفهما: ما الذي يدفع هؤلاء الأجانب لترك بلدانهم والمجيء تحديدا إلى دولتنا الإمارات؟

أجابني بثلاث كلمات قائلا: الطقس، الأمان، طيبة الشعب الإماراتي.

فعلا هذه أسباب مهمة تدفع الأجانب للقدوم إلى أبوظبي ودبي والإمارات عموما، ولكن هناك منظومة متكاملة من المقومات والمرافق والخدمات التي تجذب السواح والمقيمين أيضا، فبجانب الأمن والاستقرار والطقس وطيبة شعبنا الإماراتي، هناك البنية التحتية والخدمات، وتطور النقل والاتصالات وقطاع الطاقة، وكذلك تزخر بلادنا بالمناظر الخلابة، والمعالم والآثار، وتنتشر فيها الفنادق والأسواق والمتاحف والشواطئ، وهكذا يأتي الناس لدولتنا من الشرق والغرب، فالحمد لله على نعمة الأمن والاستقرار والتطور والازدهار.

في الإمارات يأتي الأجانب للإقامة، الدراسة، السكن، العمل، العلاج، الاستثمار، السياحة ... فكل شيء متوفر والحكومة تقدم كل الخدمات والتسهيلات من خلال سياسة اقتصادية تتصف بالانفتاح ... والمؤسسات الحكومية تقوم بجهود كبيرة في التسويق والترويج التجاري والسياحي من خلال الوسائل المختلفة ...

بعد محطة ياس مول ركبنا السيارة آيبين إلى عجمان تلك الإمارة الصغيرة بمساحتها الكبيرة بحكامها ورجالها وطموحاتها، والتي تمتلك هي الأخرى مقومات سياحية ستجعلها من أبرز الوجهات والمحطات في المنطقة خلال السنوات القادمة، في الطريق توقفنا لأداء صلاة الظهر في مصلى إحدى محطات البترول، ثم استكملنا أحاديث الطريق.

سألته عن رياضته الجديدة المتمثلة في ركوب الدراجات الهوائية، فأجابني بأنه يحرص على ممارستها بشكل شبه يومي برفقة ثلة من رفاقه الدراجين، وأوضح بأن هذه الرياضة تتطلب لياقة عالية، فهم يقودون الدراجات لمسافة طويلة تقارب الأربعين كيلومترا، وقال صديقي الدراج بأن هذه الرياضة حققت له انخفاضا في الوزن وأصبح جسمه أكثر تناسقا والأهم أنها خلصته من أمراض وشيكة كان في مقدمتها ضغط الدم، أما أنا فقلت له أنني حريص على ممارسة رياضة المشي لدورها الكبير في الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية.

عدنا للحديث عن موضوع " الإحباط " الذي نعاني منه أنا وهو وصديقنا الثالث بو راشد الغائب عن هذه الرحلة لظروف عمله، وقلت له اطمئن يا صديقي أنت جئت إلى أبوظبي لتقدم على وظيفة في المؤسسة الإعلامية وقد حدث ما أردت، ليس المهم أنك قدمت الطلب ورقيا أو عبر البريد الالكتروني، المهم أنك قدمت، وعليك الآن أن تنتظر الرد بخصوص المقابلة، وأنا متفائل أنك ستعمل لديهم، سألني: لماذا أنت واثق إلى هذه الدرجة ؟

أجبت : لأنهم بحاجة لموظفين مواطنين وكما تعلم بأن مهنة الصحافة يقل فيها حضور العنصر الوطني، والسبب الثاني لتفاؤلي هو أنني أجد فيك كافة مقومات النجاح، من مؤهل جامعي وخبرة في العمل في نفس المجال، وأيضا أنت تمتلك اللغة ومهارات الصياغة، والأهم من كل هذا هو رغبتك الكبيرة في النجاح، بالإضافة إلى أن هذه المؤسسة الإعلامية تقع في أبوظبي وهذا لوحده سبب مقنع للتفاؤل.

وفي شارع الشيخ محمد بن زايد في الطريق إلى عجمان واصلنا الحديث بغرض تبادل الأفكار والنقاش الهادف وأيضا بغرض تمضية الوقت دون الشعور بالملل، تحدثنا عن مبادرة صاحب السمو رئيس الدولة بإعلان عام 2016 عاما للقراءة، وقلت له بأن هذا العام هو عامنا معشر القراء والكتاب وعشاق الثقافة والأدب والمعارف، حيث يجب أن نتفاعل مع المبادرة، ونشارك بالأفكار والأنشطة والمشاريع الثقافية، وربما تكون هذه فرصة لنا لنطلق مشروعا ثقافيا تجاريا، يجمع بين الرسالة الثقافية والربح الاستثماري، عرضت عليه بعض الأفكار، لكنها لم تحظ بإعجابه وموافقته، فأجلنا موضوع المشروع.

لاحظت كتاب " باب النجار مخلع " المتسمر أمامي فتناولته بيدي لأستكمل قراءته، ظن صديقي بأنها رواية كالعادة، فأخبرته بأنه ليس رواية إنما نصوص ومقالات متفرقة أغلبها تتناول موضوعات صحية بطابع خفيف واجتماعي، فبزغت في عقله فكرة رائعة قائلا " لماذا لا تجمع عددا من مقالاتك وتضعها في كتاب ؟ " في البداية رفضت الفكرة لكنني بعد ذلك تحمست لها وبدأت في داخلي أفكر فيها بجدية.

بعد مدة وصلنا عجمان وأنزلني صديقي عند بيتنا وودعني، لكنه لم يودع حلمه بمستقبل إعلامي مشرق يحقق فيه التميز ويخدم الوطن وأيضا يبني لنفسه وضعا ماليا واجتماعيا يليق به ويخرجه من مأزقه الحالي بين مصاريف الأسرة وتكاليف بناء المسكن ودوامة القروض التي لا تنتهي، أكرر تفاؤلي بنجاحك يا صديقي فإن ربك كريم، وأنا أرى فيك الكفاءة، والعاصمة أبوظبي هي جزيرة الأحلام التي لا تدع مجالا للإحباط مع وفرة الفرص.

حفظك الله يا أبوظبي

حفظك الله يا إماراتنا

ونسأل الله أن يديم الأمان والنعمة ويوفق قيادتنا للعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى وينفع الوطن والشعب

وفقك الله وأسعدك ويسر على درب التقى طريقك يا صديقي بو فاطمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق