الجمعة، 20 نوفمبر 2015

أي نبلٍ جاوزك الجبال




أجدادنا السابقون في زمن الطيبين، كانوا يفعلون أكثر مما يقولون، فهم يجعلون أفعالهم تتكلم بدلاً من ألسنتهم، لا يجيدون صياغة الكلمات بل يجيدون تسطير النماذج الواقعية المشرفة، أما نحن في هذا الزمن فكثيراً ما نقول ما لا نفعل، ونتحدث أكثر من من أن ننجز في الواقع، إننا كثيراً ما نتحدث عن القيم والأخلاق والمبادئ، وكثيرا ما نسدي النصائح بل والمحاضرات الطويلة والعريضة لنحث الناس على عمل صالح أو خلق قويم، وهذا كله يأتي في إطار سعينا لنشر الخير والإحسان، ولكن كل هذه الإرشادات والمواعظ ليست كافية لإقناع الناس بفعل الخير، ففي النهاية سيكون منهم من يطبق ما نصحته به ومنهم من لن يطبق، لكن حين يرى الناس نماذج على أرض الواقع تطبق الأخلاق والمبادئ وأعمال الخير، فإنهم سيسارعون إلى الاقتداء به.
فإن التعليم بالقدوة هو من خير الوسائل لحث الآخرين على عمل الخير وفعل الصالحات، وهذا ما كان يتحلى به أجدادنا الأولون، فلقد ضربوا أروع الأمثلة في التفاني من أجل قيمهم ومن أجل العمل الصالح ومن أجل أداء الواجب تجاه أهلهم وتجاه الناس أجمعين.

أحدثكم اليوم عن جدي سليمان بن علي بن عبدالله بني حسينوه الظهوري – رحمه الله - ، وبشكل تقديري فإنه قد ولد في ثلاثينيات القرن الماضي وتوفي في نهاية الثمانينات أي أنه عاش حوالي 55 عاما، وهذا كما ذكرت رقم تقريبي لعدم إصدار شهادات ميلاد في ذلك الوقت وذاك المكان، حيث أن جدي سليمان بن علي هو من أبناء قبيلة الظهوري التي تسكن مناطق مختلفة منتشرة بين الإمارات وعمان، ومنها منطقة رؤوس الجبال التي لا تبعد كثيراً عن ساحل دبا ولا عن جبال رأس الخيمة، وكان جدي تحديداً من منطقة جبلية بحرية في رؤوس الجبال تسمى ( منصل )، وكان أهلنا في ذاك الزمن يقضون الشتاء في رؤوس الجبال أما المقيظ ( فصل الصيف ) فإنهم يقضونه في دبا، وكانت لديهم بيوت ومزارع ونخيل في دبا حيث أنها بلادهم كما هي رؤوس الجبال بلادهم، ولا يفصل بين المنطقتين سوى مشوار ساعة بواسطة البحر، ولكن هذا المشوار كان يأخذ وقتاً أطول في زمنهم لعدم وجود القوارب ذات المحركات الحديثة، بل كانوا يتنقلون بواسطة ( اللنجات ) والقوارب الخشبية، التي تسير ببطء شديد.

تحدثني والدتي بأن جدي سليمان بن علي – رحمه الله - كان حريصاً جداً على صلة الأرحام، وقد ضرب أروع الأمثلة في الوفاء للأقارب، والحرص الشديد على زيارتهم بين الفينة والأخرى، حتى لو كان ذلك على حساب صحته، وحتى لو شكل ذهابه إليهم خطراً على حياته، قد تتساءلون كيف تشكل زيارة الأرحام خطراً على صحته وسلامته وحياته؟

كما قلت لكم أن جدي من سكان منطقة منصل الجبلية، وكان لديه أهل وأقارب في قرية خصب، ولم يكن آنذاك من طريق معبد بين المنطقتين، ولم تكن هناك سيارات في ذلك المكان، وبالتالي فإنه كان يصعد الجبال الشاهقة ويتنقل من جبل إلى آخر، باستخدام تلك الطرق الجبلية شديدة الوعورة والخطورة، ولم تكن المسافة قصيرة على الإطلاق، بل إنها مسافة بعيدة تستغرق وقتاً طويلاً يقضيه بين الجبال سيراً على الأقدام، من أجل غاية واحدة وهي أداء واجب الزيارة، ولم تكن هذه العادة سائدة لدى جميع أقرانه، بل إنه الوحيد ربما الذي يخاطر بنفسه من أجل صلة أرحامه وزيارة أقاربه، رغم أنه كان كبيراً في السن حينها وليس في كامل قواه الجسدية، لكنها الإرادة والإخلاص.

تقول والدتي بأن جدي عندما يصل إلى خصب، يلقى ترحيباً كبيراً من أهلها، الذين يتجه بعضهم إلى المرحومة فاطمة بنت أحمد بن عبدالله ( وهي ابنة عمه ، وقد تزوجها أحد رجال خصب فانتقلت للسكن هناك ) كان بعض الصبية والفتيات يتجهن إلى فاطمة بنت أحمد ( ابنة عم جدي ) ليخبروها وهم في غاية السرور واللهفة: ( لقد وصل ابن عمك الظهوري ... لقد وصل إلى قريتنا ) وكانت ابنة عمه تحرص على إكرام ضيافته هي وعائلتها وزوجها، ويعدون له الولائم والضيافة المستحقة، ويرحبون به أكبر ترحيب، ويقدرون له مجيئه ويتمنون له السلامة والعافية.

هكذا كان جدي يتجاوز الجبل تلو الجبل من أجل أن يرى هذه الابتسامة على وجوه أقاربه هناك، ومن أجل أن يدخل البهجة على قلوب أطفال خصب، ومن أجل أن يذكره الجميع بالخير، ومن أجل أن يكتب الله له الثواب أولاً وأخيراً، وهكذا نستلهم نحن الأحفاد من قصص أجدادنا الدروس والعبر، ونقف وقفة تقدير لتضحياتهم وعطائهم ونبل أخلاقهم، ولكن السؤال المهم بالنسبة لنا اليوم:
هل نحن اليوم نحرص على صلة الأرحام كما كان أجدادنا يحرصون عليها؟

هل نستخدم ما أنعم الله به علينا من وسائل نقل ووسائل اتصال لنتحدث مع أقاربنا ونطمئن عليهم؟

بإمكاننا اليوم أن نصل أرحامنا بضغطة زر، ولا نحتاج أبداً أن نتنقل بين الجبال الوعرة، فهل ضغطنا الزر واتصلنا بأرحامنا؟

 كتبه:
سليمان أحمد سليمان الظهوري - الجمعة 20 نوفمبر 2015